فخر الدين الرازي

177

تفسير الرازي

عما يفعل وهم يسألون ) * ( الأنبياء : 23 ) وأيضاً ففيه ظهور حال الولي من العدو في مجمع الخلائق ، فيكون لأحد القبيلين في ذلك أعظم السرور وللآخر أعظم الغم ، ويكون ذلك بمنزلة نشر الصحف وغيره . إذا ثبت هذا فنقول : الدليل على وجود الموازين الحقيقية أن حمل هذا اللفظ على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز ، لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في هذا الباب . المسألة الثالثة : قال قوم : إن هذه الآية يناقضها قوله تعالى : * ( فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ) * ( الكهف : 105 ) ، والجواب : أنه لا يكرمهم ولا يعظمهم . المسألة الرابعة : إنما جمع الموازين لكثرة من توزن أعمالهم وهو جمع تفخيم ، ويجوز أن يرجع إلى الموزونات . أما قوله تعالى : * ( وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ) * فالمعنى أنه لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسئ ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء : * ( مثقال حبة ) * على كان التامة كقوله تعالى : * ( وإن كان ذو عسرة ) * وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما * ( آتينا بها ) * وهي مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء ، وقرأ حميد : أثبنا بها من الثواب ، وفي حرف أبي جئنا بها . المسألة الثانية : لم أنث ضمير المثقال ؟ قلنا : لإضافته إلى الحبة كقولهم ذهبت بعض أصابعه . المسألة الثالثة : زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزء من الثواب فهذا الأقل يتحبط بالأكثر ويبقى الأكثر كما كان . واعلم أن هذه الآية تبطل قوله لأن الله تعالى تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة قوله : * ( فلا تظلم نفس شيئاً ) * فيه دلالة على أن مثل ذلك لو ابتدأه الله تعالى لكان قد ظلم ، فدل هذا الوجه على أنه تعالى لا يعذب من لا يستحق ولا يفعل المضار في الدنيا إلا للمنافع والمصالح . والجواب : الظلم هو التصرف في ملك الغير وذلك في حق الله تعالى محال لأنه المالك المطلق ، ثم الذي يدل على استحالة الظلم عليه عقلاً أن الظلم عند الخصم مستلزم للجهل أو الحاجة المحالين على الله تعالى ومستلزم المحال محال ، فالظلم على الله تعالى محال . وأيضاً فإن الظالم سفيه خارج عن الإلهية فلو صح منه الظلم لصح خروجه عن الإلهية ، فحينئذ يكون كونه إلهاً من الجائزات لا من الواجبات ، وذلك يقدح في إلهيته . المسألة الخامسة : إن قيل الحبة أعظم من الخردلة ، فكيف قال حبة من خردل ؟ قلنا : الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار . والغرض المبالغة في أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع عند الله تعالى . أما قوله تعالى : * ( وكفى بنا حاسبين ) * فالغرض منه التحذير فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث